عبد القادر الجيلاني
124
فتوح الغيب
--> - بأمر الحق ولا يفعلون إلا به ، فلا يشهدون لأنفسهم فعلا فيما فعلوه من الطاعة ؛ بل يشهدون أنه هو الفاعل بهم ، ما قام بهم من طاعة أمره . ولهذا قال : « فاتّباع الأمر فيها بمخالفتك إيّاك بالتّبرّي من الحول والقوّة » . فهؤلاء يشهدون توحيد الربوبيّة مع توحيد الإلهيّة ، فيشهدون : أن اللّه هو الذي خلق ما قام بهم من أفعال البر والخير ، فلا يرون لأنفسهم حمدا ولا منّة على أحد . ويرون : أن اللّه خالق أفعال العباد فلا يرون أحدا مسيئا إليهم ، ولا يرون لهم حقّا على أحد ، إذ قد شهدوا أن اللّه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها ، وهم يعلمون أن العباد لا يستحقّون من أنفسهم ولا بأنفسهم على اللّه شيئا ، بل هو الذي كتب على نفسه الرحمة . ويشهدون : أنه يستحق أن يعبد ولا يشرك به شيء ، وأنه يستحق أن يتقّى حقّ تقاته ، وحقّ تقاته : أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر . فيرون : إنما قام بهم من العمل الصالح فهو جوده وفضله [ في نسخة : بفضله وجوده ] وكرمه ، له الحمد في ذلك . ويشهدون : أنه لا حول ولا قوة إلا باللّه ، وأما ما قام بالعباد من أذاهم هو خلقه [ في نسخة : فاللّه خالقه ] وهو من عدله ، وما تركه الناس من حقوقهم التي يستحقونها على الناس فهو الذي لم يخلقه ، وله الحمد على كل حال ، على ما فعل وما لم يفعل . ولهذا كانوا منكسرة قلوبهم ، لشهودهم وجوده الكامل وعدمهم المحض ، ولا أعظم انكسارا ممّن لم ير لنفسه إلا العدم لا يرى له شيئا ولا يرى به شيئا . وصاحب الحقيقة الذي هو دون هذا قد شاركه في إخلاص الدين للّه ، وأنه لا يفعل إلا ما أمر به ، فلا يفعل إلا للّه ، لكن قصر عنه في شهود توحيد الربوبية ورؤيته ، وأنه لا حول ولا قوة إلا باللّه ، وأنه ليس له في الحقيقة شيء ، بل الرب هو الخالق الفاعل لكل ما قام به ، وأن كمال هذا الشهود لا يبقي شيئا من العجب ولا الكبر ، ونحو ذلك ، فكلاهما قائم بالأمر مطيع للّه ، لكن هذا يشهد أن اللّه هو الذي جعله مسلما مصليّا ، وأنه في الحقيقة لم يحدث شيئا ، وذاك وإن كان يؤمن بهذا ويصدق به إذ كان مقرّا بأن اللّه خالق أفعال العباد ، لكن قد لا يشهده شهودا يجعله فيه بمنزلة المعدوم . وأيضا : بينهما فرق من جهة ثانية ، وهي : أنّ الأول تكون له إرادة وهمّة في أمور فيتركها ، فهو يميّز في مراداته ، بين ما يؤمر به وما ينهى عنه ، وما لا يؤمر به ولا ينهى عنه ، ولهذا [ في نسخة : وهذا ] لم يبق له مراد أصلا إلا ما أراده الرب : إمّا أمرا به فيمتثله هو باللّه ، وإما فعلا فيه فيفعله اللّه به ، ولهذا شبهه بالطفل مع الظئر ، في غير الأمر والنهي . وأما الأول الذي هو في مقام التقوى العامّة ، فإنّ له شهوات للمحرّمات ، وله التفات إلى الخلق ، وله رؤية نفسه ، فيحتاج إلى المجاهدة بالتقوى ، بأن يكفّ عن المحرمات ، وعن تناول الشهوات بغير الأمر ، فهذا يحتاج أن يميّز بين ما يفعله وما لا يفعله ، وهو التقوى . وصاحب الحقيقة لم يبق له ما يفعله إلا ما يؤمر به فقط ، فلا يفعل إلا ما أمر به في الشرع ، وما كان مباحا لم يفعل إلا ما أمر به ( باطنا ) . وأما الثالث : فقد تمّ شهوده في أنه لا يفعل إلا اللّه وباللّه ، فلا يفعل إلا ما أمر اللّه به للّه ، ويشهد أن اللّه هو الذي فعل ذلك [ في نسخة : ذاك ] في الحقيقة ، ولا تكون له همّة وإرادة [ في نسخة : همة -